عبد الرحمن بن ناصر السعدي
672
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما * لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) * هذه الآية ، هي التي تسمى آية الحجاب ، فأمر الله نبيه ، أن يأمر النساء عموما ، ويبدأ بزوجاته وبناته ، لأنهن آكد من غيرهن ، ولأن الآمر لغيره ، ينبغي أن يبدأ بأهله ، قبل غيرهم كما قال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) * ( أن ) * ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) * وهن اللاتي يكن فوق الثياب من ملحفة وخمار ورداء ونحوه ، أي : يغطين بها ، وجوههن وصدورهن . ثم ذكر حكمة ذلك فقال : * ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) * دل على وجود أذية ، إن لم يحتجبن ، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ، ربما ظن أنهن غير عفيفات ، فيتعرض لهن من في قلبه مرض ، فيؤذيهن . وربما استهين بهن ، وظن أنهن إماء ، فتهاون بهن من يريد الشر . فالاحتجاب حاسم لمطامع الطامعين فيهن . * ( وكان الله غفورا رحيما ) * حيث غفر لكم ما سلف ، ورحمكم ، بأن بين لكم الأحكام ، وأوضح الحلال والحرام ، فهذا سد للباب من جهتين . وأما من جهة أهل الشر فقد توعدهم بقوله : * ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلبوهم مرض ) * أي : مرض شك أو شهوة * ( والمرجفون في المدينة ) * أي : المخوفون المرهبون الأعداء ، المتحدثون بكثرتهم وقوتهم ، وضعف المسلمين . ولم يذكر المعمول الذي ينتهون عنه ، ليعم ذلك ، كل ما توحي به أنفسهم إليهم ، وتوسوس به ، وتدعو إليه من الشر ، من التعريض بسب الإسلام وأهله ، والإرجاف بالمسلمين ، وتوهين قواهم ، والتعرض للمؤمنات بالسوء والفاحشة ، وغير ذلك من المعاصي الصادرة ، من أمثال هؤلاء . * ( لنغرينك بهم ) * أي : نأمرك بعقوبتهم وقتالهم ، ونسلطك عليهم . ثم إذا فعلنا ذلك ، لا طاقة لهم بك ، وليس لهم قوة ولا امتناع . ولهذا قال : * ( ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ) * أي : لا يجاورونك في المدينة إلا قليلا ، بأن تقتلهم أو تنفيهم . وهذا فيه دليل ، لنفي أهل الشر ، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين ، فإن ذلك أحسم للشر ، وأبعد منه ، ويكونون * ( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) * أي : مبعدين ، حيث وجدوا ، لا يحصل لهم أمن ، ولا يقر لهم قرار ، يخشون أن يقتلوا ، أو يحبسوا ، أو يعاقبوا . * ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) * أن من تمادى في العصيان ، وتجرأ على الأذى ، ولم ينته منه ، فإنه يعاقب عقوبة بليغة . * ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) * أي : تغييرا ، بل سنته تعالى وعادته ، جارية مع الأسباب المقتضية لمسبباتها . * ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا * إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) * أي يستخبرك الناس عن الساعة ، استعجالا لها ، وبعضهم تكذيبا لوقوعها ، وتعجيزا للذي أخبر بها . * ( قل ) * ( لهم ) * ( إنما علمها عند الله ) * أي : لا يعلمها إلا الله ، فليس لي ، ولا لغيري بها علم . ومع هذا ، فلا تستبطئوها . * ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) * ومجرد مجيء الساعة ، قربا وبعدا ، ليس نحته نتيجة ولا فائدة ، وإنما النتيجة والخسار ، والربح ، والشقاوة والسعادة ، هل يستحق العبد العذاب ، أو يستحق الثواب ؟ فهذه سأخبركم بها ، وأصف لكم مستحقها . فوصف مستحق العذاب ، ووصف العذاب ، لأن الوصف المذكور ، منطبق على هؤلاء المكذبين بالساعة فقال : * ( إن الله لعن الكافرين ) * أي : الذين صار الكفر دأبهم وطريقتهم ، الكفر بالله وبرسله ، وبما جاءوا به من عند الله ، فأبعدهم الله في الدنيا والآخرة من رحمته ، وكفى بذلك عقابا . * ( وأعد لهم سعيرا ) * أي : نارا موقدة ، تسعر